عبد القاهر الجرجاني
278
دلائل الإعجاز في علم المعاني
خميس بشرق الأرض والغرب زحفه * وفي أذن الجوزاء منه زمازم " 1 " لما جعل " الجوزاء " تسمع على عادتهم في جعل النّجوم تعقل ، ووصفهم لها بما يوصف به الأناسيّ أثبت لها " الأذن " التي بها يكون السمع من الأناسيّ . فأنت الآن لا تستطيع أن تزعم في بيت الحماسة أنّه استعار لفظ " النواجذ " ولفظ " الأفواه " ، لأن ذلك يوجب المحال ، وهو أن يكون في المنايا شيء قد شبّهه بالنواجذ ، وشيء قد شبّهه بالأفواه ، فليس إلّا أن تقول : إنه لمّا ادّعى أنّ المنايا تسرّ وتستبشر إذا هو هزّ السيف ، وجعلها لسرورها بذلك تضحك أراد أن يبالغ في الأمر ، فجعلها في صورة من يضحك حتى تبدو نواجذه من شدة السرور . وكذلك لا تستطيع أن تزعم أن المتنبي قد استعار لفظ " الأذن " ، لأنه يوجب أن يكون في " الجوزاء " شيء قد أراد تشبيهه بالأذن . وذلك من شنيع المحال . فقد تبيّن من غير وجه أنّ " الاستعارة " إنما هي ادّعاء معنى الاسم للشيء ، لا نقل الاسم عن الشيء . وإذا ثبت أنها ادّعاء معنى الاسم للشيء ، علمت أن الذي قالوه من " أنها تعليق للعبارة على غير ما وضعت له في اللغة ، ونقل لها عمّا وضعت له " كلام قد تسامحوا فيه ، لأنه إذا كانت " الاستعارة " ادعاء معنى الاسم ، لم يكن الاسم مزالا عما وضع له ، بل مقرّا عليه . واعلم أنك تراهم لا يمتنعون إذا تكلموا في " الاستعارة " من أن يقولوا : " إنه أراد المبالغة فجعله أسدا " ، بل هم يلجئون إلى القول به . وذلك صريح في أن الأصل فيها المعنى ، وأنه المستعار في الحقيقة ، وأن قولنا : " استعير له اسم الأسد " ، إشارة إلى أنه استعير له معناه ، وأنه جعل إياه . وذلك أنّا لو لم نقل ذلك ، لم يكن " لجعل " هاهنا معنى ، لأن " جعل " لا يصلح إلا حيث يراد إثبات صفة للشيء ، كقولنا : " جعلته أميرا " و " جعلته لصّا " ، تريد أنك أثبت له الإمارة ، ونسبته إلى اللصوصية وادّعيتها عليه ورميته بها . وحكم " جعل " ، إذا تعدّى إلى مفعولين ، حكم " صيّر " ، فكما لا تقول :
--> ( 1 ) البيت في ديوانه : ( 2 / 139 ) ، من قصيدة في مدح سيف الدولة ، ويذكر بناءه ثغر الحدث سنة ثلاث وأربعين وثلاث مائة ومطلعها : على قدر أهل العزم تأتي العزائم * وتأتي على قدر الكرام المكارم وتعظم في عين الصغير صغارها * وتصغر في عين العظيم العظائم والخميس : الجيش العظيم له الميمنة والميسرة والقلب والجناحان ، والزحف : التقدم . الجوزاء : أنجم معروفة ، والزمازم : جمع زمزمة ، وهي صوت لا يفهم لتداخله ، والمعنى : يقول هذا الجيش لكثرته قد عم الشرق والغرب وبلغ صوتهم الجوزاء وخصها بالذكر من سائر البروج لأنها على صورة الإنسان هذا قول الواحدي .